 |
قبل سنوات ، تزيد عن العشرين عاماً ، ازدهرت الحركة التشكيلية في دولة الإمارات العربية المتحدة ، وفي تلك الأثناء كان في دولة الإمارات العديد من الفنانين المبدعين من الوطن العربي الناشطين في الحراك الثقافي ، منهم الفنان طلال المعلا والفنان المرحوم عبد اللطيف الصمودي والدكتورعبد الكريم السيد ونخبة من الفنانين
الإماراتيين عبد الرحيم سالم وحسن شريف ومحمد إبراهيم ومحمد يوسف وغيرهم من كان لهم دوراً بارزاً في تفعيل دور الفنون التشكيلي في الإمارات ، وخاصة بعد إنشاء جمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي بدورها بدأت بتنظيم مستمر لخلق نوع من التواصل بين الفنانين والعالم الخارجي . وما أن ازدهرت الحركة التشكيلية المحلية واهتمام متزايد من قبل الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة ، وإذا بها تنطلق نحو تحقيق بينالي الشارقة الدولي للفنون التشكيلية ، حيث أخذ البينالي دوره التثقيفي في تحريك الساكن و تفعيل دور الفكر الفني لدى القائمين على أطروحات تشكيلية ، لتغيير المفهوم السائد لدى عموم الناس ، فأخذ البينالي يساند التجارب المحلية والعربية والدولية . اذكر أنه في البينالي الأول طرح الفنان حسن شريف تجربته العبثية بمفاهيم الفن , فوضع كومة من الورق لفه كالحلاوة ، وآخر جمع بعض الصحف وربطها ووضعها متراكمة ، وبدأ الناس يسخرون من التجارب , فالتقيت بالفنان حسن شريف لمعرفة ماذا يصبو له من خلال هذا التوجه , علماً بأني قد رأيت مثل هذه الأعمال في العديد من المعارض في فرنسا وإيطاليا ودول أخرى , فوجدت أن حسن شريف يعي تماما ماذا يفعل وماذا يتوقع من هذه الأعمال . وبعد عامين وجدت أكثر من أربعة فنانين بدئوا نحو هذا التغيير للتعبير عن أفكارهم بأساليب فنتازيا العرض ، ( الفن ألمفاهيمي ) . وحتى الدورة الرابعة لم نرى ما يشير إلى إلغاء فكرة اللوحة المسندية ليحل محلها الفن ألمفاهيمي بالكامل , فجاء التغيير جذريا للبينالي في دورته الخامسة ليكون الفن ألمفاهيمي ( الفيديو آرت ) هو السيد الأول في العرض ، وكان للفنانة حور ألقاسمي دوراً كبيراً في هذا التغيير ، وبدأ الفنانين والمهتمين والإعلاميين في حالة من الرفض والبعض بالقبول دون علم بما سيكون عليه حال البينالي بعد حين . فكان الفنان حسن مير وأنور سونيا من عمان وأنس الشيخ من البحرين والبعض من الفنانين عرب وغرب طرحوا أفكارهم عبر هذا الفن وكأنه إعلان عن وداع اللوحة ، وبدأ التغيير في العرض والمفاهيم والطرح . جاء البينالي في دورته الرابعة ليعلن عن نفسه بهذا التوجه مع طرح موضوع ( ) وهكذا حتى الدورة السابعة مع موضوع البيئة الذي تاه فيه الفنانون، معتقدين بأن البيئة هي الطبيعة ، وآخرون استطاعوا الوصول للهدف المنشود . كان مهم بالنسبة لي الحضور هذا العام ، لمعرفة ماذا يدور في ردهات متحف الفنون وأكسبوا الشارقة لمعروضات البينالي . بدأت أهيئ نفسي قبل دخول المتحف ، فذهبت لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية المجاورة للمتحف ، وهناك تعرفت على نشاط الجمعية ومعارضها المستقبلية ، وبعدها زرت بيت الشامسي ( رواق الفنون ) وهو عبارة عن بيت أعيد ترميمه ليصبح مراسم لكل الفنانين العرب والإماراتيين ، كل فنان له مرسم يزاول فيه فنه ، والتقيت بالفنان عبد الوهاب من السودان وتبادلنا الأحاديث الفنية ، وبعدها توجهت إلى ( جمعية الإمارات للفن الخاص ) وهو مكان مخصص للعناية بالمواهب ذوي الاحتياجات الخاصة ، المبنى جميل ومريح نفسياً ، يوفر المركز للمتدربين جميع الأدوات الفنية والمدربين من الفنانين المميزين ، لخلق نوع من التكامل بينهم والمجتمع ، وبعدها كانت وجهتي للمتحف ، و كانت زياراتي التي سبقت المتحف أعطتني نوعا من المعرفة بما سوف أشاهد . متحف الفنون .. وجدت أن معالمه قد تغيرت وأصبحت القاعات عبارة عن غرفة مظلمة ، كل غرفة بها جهاز عرض يعرض فيلم قصير عن فكرة الفنان ، لفت انتباهي قاعة أبقاها الفنان كما هي مفتوحة وبلونها الطبيعي للمتحف القريب للأبيض ووضع جهاز العرض في مقدمة القاعة وبجوار الجهاز كتاب لونه أبيض – كتب بجوار الجهاز ضع الكتاب أمام العدسة : فوضعته ، وإذا أشاهد امرأة تجلس على كرسي مريح جداً في صالة المنزل ، وبيدها الهاتف تتحدث فيه وظهرها للتلفاز , التلفاز يعرض صوراً لآثار الاعتداء الإسرائيلي على لبنان والسيد حسن نصر الله يتحدث عن التهدئة والصبر ويعد اللبنانيين بالنصر ، وهي تتغنج مع المكالمة غير عابئة بأهمية الكلام ولا حتى الحرب التي فرضتها إسرائيل على لبنان . وكان في أحد جدران القاعة رف امتلاء بنفس الكتاب الذي وضع بجوار الجهاز ، فاستأذنت المشرفين على المتحف بإمكانية الحصول على نسخة من الكتاب , فقالوا أن الكتاب هدية لكل زائر , أخذت نسختي ومضيت نحو باقي الغرف ,إلا أن بعضها لم أتمكن من المكوث فيها للحظات ، والأخرى أتابع العرض فيها لمعرفة المضمون , وفي إحدى القاعات وجدت فيلما يعرض خطابات لجمال عبد الناصر وأنور السادات فضننت نفسي أمام برنامج وثائقي , تابعت حتى آخر العرض ولم أصل إلى نتيجة . وأثناء مروري بالقاعات توقفت عند بقالة ، وجدتها فرصة للراحة ، خاصة وأنني تعبت ، وأود الراحة فوجدت أن هذه البقالة لاتبيع سوى الحليب واللبن والزبدة ، ثلاجات ممتلئة بهذه المنتجات ، مشيت مدركاً أن هذه البقالة ليس هنا مكانها ، ولاداعي لوجودها في المتحف ، وفي لحظة مزحت مع نفسي ، وقلت لماذا لاتكون هذه البقالة عمل فني ؟ باحثاً إن كان هذا عمل فني أم لا!! فوجت كرت على الطاولة لفنان أعرفه مبدعاُ فاستعجبت من هذا العرض , وكتب على كرت التعريف : منتجات البقرة الصفراء !! وانتهى العرض وبدت الدهشة ، وكنت سأخرج من المتحف ، إلا أني فضلت أشاهد ماتبقى ، حتى الوصول إلى آخر ردهات المتحف . وكان في نيتي أزور مدير المتحف قبل مغادرتي فتوجهت إلى نهاية الممر ، فدخلت للسلام والتحية , قابلت مديرة المتحف ، تلك الإنسانة في غاية الاحترام , تعي تماماً ما يدور في أروقة المتحف بكل احتراف , أعطتني من وقتها الكثير، تعرفت على أسرار العمل في المتحف والجهد المبذول لخلق حالة من الحراك الثقافي في الإمارات ، ومدى تأثير الفن ألمفاهيمي على الفنانين والجمهور . وبعد ذلك توجهت لاستكمال المشوار بالبحث عن الجديد في باقي قاعات المتحف . فذهبت لمشاهدة المعرض العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية ، ضانا بأني سأجد معرضا تشكيليا أستمتع بألوانه وطرحه الفني !! فلم أجد سوى غرف كما في البينالي ، وبعض الفنانين عرض ( أعماله ) في قاعات مفتوحة والآخر في زاويا المتحف ، لا أعرف في البداية إن كانت ضمن المعرض أو أنها مهملات ، خاصة ذلك العمل الذي جمع أكياس نفايات زرقاء ، ووضعها في بداية مدخل القاعة ، وتساءلت هل هذا هو العرض !! أم تم تجميعه من قبل العمال تمهيدا لاستخراجه من المتحف ، ودخلت القاعة المجاورة للأكياس وإذا بها تكتظ بأكياس النفايات الزرقاء . ووسط دهشة واستغراب أمضيت ماشيا بين أكوام من القماش والرمال والورق المرصوص ، والصحون المعدنية ، توقفت أمام تجربة ( وجوه ) , امتلأت القاعة بوجوه إنسانية ، طلب صاحب الفكرة أن يسجل كل زائر مرئياته وانطباعاته عن كل وجه , واستوقفتني صورة لامرأة محجبة , كُتبتْ عليها عبارات لا يمكن أن يتحملها أي زائر, كل الكلمات البذيئة في القاموس العربي كانت مكتوبة على هذه الصورة , وهكذا عبث الزائرون في جميع الصور بالعبارات الغير لائقة ، والبعض مزق أجزاء من الصور ، وآخر من تفضل بالكتابة ، تقدم بالنصيحة ( للفنان ) بأن يجد له شغله ثانية غير الفن . وهنا يأتي دور ثقافة الجمهور تجاه الأعمال , ولكن ما الفائدة التي تعود على الفنان والفن من خلال هذه التجارب , أتذكر قبل عام كان لي تجربة مماثلة في معرضي الصندوق الأسود ــ تركت مساحات بيضاء لمحاولة معرفة مشاعر الجمهور تجاه الحدث , والحدث كان مثيراً للغاية ، وهو الحرب على العراق ولبنان ، ليشاركوني هذا الهم , فوجدت بعض الحاقدين يتربص الفرصة ليكتب أحقاده , فكتب عبارات بذيئة في شخصي وليس في العمل , فأدركت أن الثقافة لابد أن تأتي أولاً قبل طرح أي فكرة , وقد تكون هذه الثقافة نابعة من ثقافة المنتديات التي يكتب فيها أناس يعتقدون أنهم غير معروفين حينما يكتبون بأسماء مستعارة ، ويتهجمون على العالم دون مبررات . انتهى وقتي في المتحف ، وتوجهت مباشرة إلى مركز أكسبوا الشارقة حيث يوجد جزء من معرض البينالي , وحين دخولي للقاعة المخصصة للبينالي وجدت إني بدأت أفقد جزء من طاقتي نحو القدرة على تحمل ما أراه , بداية القاعة كانت الأعمال ضخمة وكبيرة جداً , فانجذبت نجوها , وسرعان ما وجدت نفسي أدخل القاعات المظلمة مرة أخرى ، فاستوقفني اسم الفنان أنس الشيخ من البحرين ، فدخلت القاعة الخاصة به ووجدت ثمان شاشات عرض ، تبث تصوير للفنان وهو يرسم بأنفة وأظافره على زجاج شفاف ــ عدسة التصور من الأمام وأخرى من خلف الزجاج ، تمعنت جيدا في الأداء ، حاولت كل جهدي للإقتناع بما أشاهده ولم أستطيع ، وخرجت حزينا على ما شاهدته , هكذا باقي الأعمال , عمل يعرض مناخ بيئة طبيعية وآخر يعرض أكياس مملوءة بالهواء وأشلاء محنطة و .. و .. ؟!!!!! هكذا أصف انطباعي عن بينالي الشارقة الدولي للعام 2007 م ، الذي طالما انتظره جميع الفنانين والمهتمين والمراقبين لتطور الحراك الثقافي في الخليج العربي . دمتم سالمين والفن بخير.
عبد العظيم محمد الضامن الشارقة – 25/4/2007م
|
 |